الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

193

شرح ديوان ابن الفارض

قربه إليهم فإن البلايا والمصائب تتفرّق على جميع الصالحين بحسب مراتب صلاحهم . وكان النّاظم رضي اللّه عنه أوّلا منهم فكان له نصيب من ذلك البلاء فلما كان في الفردية كان بلاؤه أشدّ لأنه الوارث المحمدي الجامع . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » . اه . كالعهد عندهم العهود على الصّفا أنّى ولست لها صفا نبّاذا [ الاعراب ] العهد هنا أول مطر الوسمي . و « العهود » : جمع عهد وهو الموثق والصفا جمع صفاة وهي الحجر الصلد . و « أنّى » : اسم بمعنى كيف وهو هنا استفهام للتعجب . وقوله « صفا » المراد منه نقيض الكدر . والنباذ : فعال من نبذت الشيء إذا طرحته في الأمام أو الوراء أو مطلقا . وقوله كالعهد خبر مقدّم . وعندهم : متعلق بما تعلق به الخبر . والعهود : مبتدأ مؤخر . وعلى الصفا : حال من العهد ، أي العهود عندهم كالعهد مستقرا على الصفا ومدخول أنّى : محذوف . والواو في ولست : واو الحال ، والتاء : اسم ليس . ونباذا : خبرها . ولها : متعلق به . وقوله صفا : منصوب على أنه مفعول لأجله والعامل فيه فعل مأخوذ من معنى الجملة ، أي تركت نبذ عهودهم لأجل صفاء محبتي وصدق مودّتي والتأويل للاحتراز عن توجّه النفي للقيد وذلك يوجب فساد المعنى إذ يصير هكذا لست نبّاذا للعهود لأجل الصفا بل لشيء آخر مع أن المراد نفي نبذه للعهود مطلقا هذا إن قيل بتوجّه النفي إلى القيد كما هو الأغلب ، وإما إن قيل بصحة توجّهه إلى المقيد فلا إشكال . والمعنى : عهودهم ومواثيقهم مثل نزول المطر على الحجر الصلد لا ثبات له ولا بقاء فكيف يكون منهم ذلك وأنا لست نبّاذا لعهودهم لأجل ما عندي من الصفاء والصدق في محبتهم . ولا يخفى الجناس بين صفا وصفا ، وبين عهدي وعهود . وما أحسن قول بعضهم : نقضوا العهود وحق ما يبنى على * رمل اللّوى بيد الهوا أن ينقضا وقال الآخر : ولم يبنى على الرمل * فكيف انتقض العهد ( ن ) : يعني أن العهود والمواثيق عند الأحبة المذكورين في الأبيات قبله بأنه انفرد عنهم هي كالمطر على الحجر الصلد فإن الحجر لا يمسك شيئا منه وذلك لكمال اشتغالهم بربّهم فليسوا مع أحد غير الحق ، ثم قال كيف يكون ذلك منهم وأنا مع اشتغالي الزائد بالحق تعالى لم أطرح عهودهم لأجل ما عندي من الصفاء . اه .